🔰ذكاء سجين🔰
كان في سجن المدينة رجلٌ مشهور بذكائه الحاد وحيلته الواسعة، وكان ينتظر حكم القضاء في قضيةٍ كادت تودي برأسه.
في أحد الأيام، دخل حاكم المدينة السجن ومعه حاشيته، وكان الحاكم رجلاً شديد الكبرياء، يحب أن يظهر بمظهر العالِم الذي لا يفوته شيء.
وقف الحاكم أمام المساجين وقال بتعالٍ: "لقد وصلني اليوم كتابٌ نادر مكتوب بلغة غامضة لم يستطع خطاطو القصر تفسيرها، من فك رموز هذا الكتاب فله العفو والذهب، ومن فشل طارت رقبه".
خاف الجميع وتراجعوا، فالكتاب بدا كأنه طلاسم بلا معنى، لكن السجين الذكي رأى في الأمر طوق نجاة، فتقدم بثقة وقال: "أنا لها أيها الحاكم، لكن هذه اللغة تحتاج إلى خلوة وتدبر، وأطلب مهلة شهر كامل في زنزانة منفردة، يأتيني فيها أطيب الطعام والشراب لأشحذ ذهني، على أن تترك الكتاب معي".
وافق الحاكم ظناً منه أن الرجل يشتري لنفسه أياماً ممتعة قبل نهايته الحتمية.
انقضت المهلة، وجاء الحاكم مع قضاته وجلس في قاعة العرش، وأُحضر السجين والكتاب بين يديه. سأله الحاكم بنبرة ساخرة: "هل فككت الرموز أم نأمر السياف بعملك؟".
أخرج السجين ورقة من جيبه وقال بكل ثقة: "نعم يا مولاي، الكتاب يتحدث عن تاريخ أجدادك وعن أمجادهم العظيمة، ولكن هناك مشكلة واحدة"
التفت الحاكم باهتمام وسأله: "وما هي..
قال السجين: "الكتاب مكتوب بلغة الموتى، وهي لغة لا يجوز أن تُقرأ بصوت مرتفع في مجالس الأحياء وإلا حلت اللعنة على المكان وزال الملك، لذا، سأقرأ لك التفسير في سرك دون أن يسمعنا أحد".
اقترب السجين من أذن الحاكم وأخذ يرتجل كلاماً مليئاً بالمدح والثناء والتعظيم لنسب الحاكم وأجداده، مخترعاً قصصاً من خياله تداعب كبرياء الحاكم وتظهره في مظهر البطل الباسل.
كان الحاكم يستمع وعلامات الفخر والرضا تظهر على وجهه، ولم يجرؤ على تكذيبه أو قول إنه لا يفهم، لأن ذلك سيعني أمام حاشيته وقضاته أنه جاهل بلغة أجداده العظماء.
حين انتهى السجين، التفت الحاكم إلى الحاضرين وقال بوقار شديد: "لقد صدق الرجل، هذا هو التاريخ السري لأجدادي بالفعل، وهو يطابق ما ورثته من حكايات".
ثم أمر فوراً بإطلاق سراحه ومنحه صرة من الدنانير، فخرج الرجل من القصر حراً طليقاً بفضل دهائه وفهمه العميق لنفوس الملوك.

تعليقات
إرسال تعليق