القائمة الرئيسية

الصفحات

🔰قصة الاصمعي🔰

في مطلع شبابه، كان عبد الملك الأصمعي يجوب أزقة البصرة طالبًا للعلم، يحمل بين جنبيه شغفًا لا يخبو، وقلبًا معلقًا بمجالس العلماء والرواة. غير أن طريق العلم لم يكن مفروشًا بالراحة، بل كان محفوفًا بالفقر والمشقة.

يروي الأصمعي قائلًا:

"كنت فقيرًا لا أملك من الدنيا إلا كتبي، وكانت تلك الكتب هي زادي الحقيقي في رحلة العلم. وعلى باب الزقاق الذي أسكنه كان يجلس بقّال اعتاد أن يراني كل صباح وأنا خارج إلى مجالس المحدّثين واللغويين، فيسألني: إلى أين تمضي؟ فأخبره باسم العالم الذي أقصده. ثم أعود آخر النهار فيسألني: من أين جئت؟ فأذكر له مجلسًا آخر من مجالس العلم.

وكان لا يفتأ يكرر عليّ نصيحة واحدة: يا هذا، إنك شاب، فلا تضيع عمرك في هذا الذي لا ينفع. اطلب عملًا يدرّ عليك الرزق، وأعطني هذه الكتب كلها لأحرقها! فوالله لو طلبت مني بجميعها جزرة واحدة ما أعطيتك إياها!"

ظل الرجل يلاحقه بهذا الكلام حتى ضاق صدره، فصار يخرج من بيته ليلًا ويعود ليلًا ليتجنب لقاءه. وبينما كان غارقًا في طلب العلم، كانت أحواله المادية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم؛ فباع بعض ثيابه لينفق على نفسه، ثم اشتد به الضيق حتى أصبح عاجزًا عن توفير قوت يومه. طال شعره، وبلي ثوبه، وتغيرت هيئته من شدة الفاقة.

وفي ذروة تلك المحنة، وبينما كان حائرًا لا يدري كيف يخرج من ضيقه، طرق بابه خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي، وقال له:

"أجب الأمير."

تعجب الأصمعي وقال في نفسه: وما شأن الأمير برجل بلغ به الفقر ما بلغ؟

فلما رأى الخادم حاله البائسة عاد إلى سيده وأخبره بما رآه. وما هي إلا ساعات حتى رجع إليه ومعه ثياب فاخرة، وطعام طيب، وبخور، وكيس يحوي ألف دينار.

وقال له:

"إن الأمير يأمرك أن تدخل الحمام، وتلبس هذه الثياب، وتأكل من هذا الطعام، وتطيب نفسك، ثم آخذك إليه."

كادت الفرحة تطير بقلب الأصمعي، فشكر الله ودعا للأمير، ثم فعل ما أُمر به، ومضى إلى مجلس محمد بن سليمان.

فلما دخل عليه، رحب به الأمير وأدناه من مجلسه، ثم قال:

"يا عبد الملك، لقد بلغني خبر علمك وفضلك، وقد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين. فاستعد للسفر إلى بغداد."

كان ذلك الخبر تحولًا عظيمًا في حياته. شكر الأمير ووعده بالطاعة، ثم عاد إلى منزله فاختار ما يحتاج إليه من كتبه، وأودع بقيتها في غرفة أغلق بابها، وجعل عليها امرأة من أهله تحفظها حتى يعود.

ولما وصل إلى بغداد، دخل على أمير المؤمنين هارون الرشيد. فنظر إليه الرشيد وقال:

"أأنت عبد الملك الأصمعي؟"

فأجاب بأدب:

"نعم يا أمير المؤمنين."

فقال الرشيد:

"إن الولد قطعة من قلب أبيه، وإني أستودعك ابني بأمانة الله، فلا تعلمه ما يفسد دينه، فلعل الله أن يجعله إمامًا للمسلمين."

فأجابه الأصمعي:

"سمعًا وطاعة يا أمير المؤمنين."

ومنذ ذلك اليوم تفرغ لتعليم الأمير الصغير، فأقام معه في دار خُصصت لهذا الغرض، وجُعل له راتب شهري بلغ عشرة آلاف درهم.

أخلص الأصمعي في مهمته، حتى حفظ تلميذه القرآن الكريم، وتفقه في الدين، وتعلم الشعر واللغة وأيام العرب وأخبارهم.

ثم أراد الرشيد أن يختبر ابنه، فأمر أن يصلي بالناس يوم الجمعة. فاختار له الأصمعي خطبة بليغة ولقنه إياها حتى أتقنها.

وجاء يوم الجمعة، فخرج الأمير الشاب فخطب الناس وصلى بهم، والأصمعي إلى جواره. فلما رآه الرشيد وأعجبه ما وصل إليه من علم وفصاحة، أغدق على الأصمعي العطايا والجوائز.

وتتابعت عليه النعم من كل جانب، حتى جمع ثروة كبيرة، واشترى العقارات والضياع، وبنى لنفسه دارًا فخمة في البصرة.

وبعد سنوات من النجاح والرخاء، استأذن الرشيد في العودة إلى البصرة، فأذن له.

فلما دخل مدينته، خرج أهلها لاستقباله والتهنئة بما بلغه من مكانة وثراء. وبين الجموع لمح وجهًا يعرفه جيدًا...

لقد كان ذلك البقّال نفسه!

كان الرجل واقفًا بثياب متواضعة وهيئة بسيطة، فلما وقع بصره على الأصمعي صاح بأعلى صوته:

"عبد الملك!"

فضحك الأصمعي، وتذكر سنوات الفقر، وتذكر السخرية من كتبه، وتذكر تلك الجملة التي طالما سمعها منه.

ثم التفت إليه مبتسمًا وقال:

"يا هذا... لقد جاءتني كتبي حقًا بما هو خيرٌ من الجزرة!"

وهكذا أثبتت الأيام أن العلم الذي استهان به الناس كان هو الباب الذي فتح لصاحبه أبواب المجد والرزق والرفعة، وأن ما يُزرع بالصبر والإخلاص لا بد أن يؤتي ثماره، ولو بعد حين.

العبرة: لا تحتقر طريق العلم بسبب صعوبته في بدايته، فكم من كتابٍ ظنه الناس بلا قيمة، فكان مفتاحًا لمجدٍ لا يُقدّر بثمن.

تعليقات